السيد الطباطبائي

263

الإنسان والعقيدة

فبان بذلك أنّ ما عنده سبحانه وجه له ، ووجه الشيء غير منفصل عن الشيء ، وهو ما يواجهك به ، فهؤلاء متمكّنون بقدمهم الصدق في سبحات وجهه تعالى ، مستهلكون في غمار أنواره ، خارجون عن حيطة العمّال ، غير مختصّين بمكان دون مكان فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ « 1 » ، وقال سبحانه أيضا : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ « 2 » . وقد أطبق القرّاء على قراءة « ذو » بالرفع ، وليست صفة مقطوعة يشهد به قوله تعالى : تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ « 3 » ، و سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى « 4 » ، فهو صفة وجه . والجلال والإكرام جامعان لصفات الجلال والجمال جميعا ، فلا يشذّ عنهما صفة من صفاته العليا ، ولا اسم من أسمائه الحسنى . فهؤلاء متمكّنون بينها وفيها ، لا اسم لهم ولا رسم إلّا صفاته وأسمائه سبحانه ، وارتفع الحجاب ؛ إذ لم يبق منهم ولا معهم ولا دونهم شيء ولا غير وجهه ذي الجلال والإكرام شيء ، فافهم . وبذلك يظهر معنى ما في حديث مجيء الملائكة بالكتاب من اللّه إلى وليّه بالجنّة ، وفيه مكتوب : « من الملك الحيّ القيّوم إلى الملك الحيّ القيّوم » - الحديث . وقد وعدهم سبحانه بالقرب منه تعالى ، وسمّاهم المقرّبين ؛ إذ عرّف المقرّبين بالسابقين في قوله سبحانه : وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ « 5 » ، وعرّف السابقين بتقييدهم بالخيرات ، فقال سبحانه : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ

--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 115 . ( 2 ) سورة الرحمن : الآيتان 26 و 27 . ( 3 ) سورة الرحمن : الآية 78 . ( 4 ) سورة الأعلى : الآية 1 . ( 5 ) سورة الواقعة : الآيتان 10 و 11 .